قلم أحمد الجنابي / الجزيرة مباشر

كان صيف عام 2016 صيفاً حاراً في الشرق الأمريكي بكل المقاييس، فإلى جانب درجات الحرارة التي قاربت الأربعين على غير العادة، جاء فوز دونالد ترمب ببطاقة الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية التي اسفرت فيما بعد عن فوزه بإقامة في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، ليشعل موجة قلق غير مسبوق بين غير البيض في الولايات المتحدة.

انتقلت سخونة الصيف بعد ذلك لكافة المواضيع التي تتعلق بالعنصرية وأصبح الحديث في كل مكان عن مخاوف من المستقبل، وعجت شاشات التلفزيون والصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بالنقاشات حول عنصرية الرئيس المقبل وما يمثله ذلك من خطر على بلد أقيمت أسسه على استقطاب المهاجرين من كل حدب وصوب.

ولكن في المقابل وعلى صعيد الحياة اليومية والاحتكاك بالناس، كان من الصعب أن تلحظ تغيرا في سلوك الناس أو إشارات واضحة على وجود تصرفات عنصرية، وقد دفعني ذلك للقيام بفعاليات أكثر من المعتاد أملا في الوقوف على حقيقة ما يقال ولكن لم يحدث أن تصرف أي شخص بعنصرية تجاهي.

أرجعت السبب إلى الوجود في مناطق الساحل الشرقي للولايات المتحدة حيث من المعروف أن الساحلين الشرقي والغربي يعتبران تاريخيا أكثر انفتاحا بحكم اتصالهما بالعالم الخارجي عن طريق البحر، وكلما ابتعدنا عن الساحل وتوغلنا نحو العمق الأمريكي كلما ازداد الانعزال والتزمت الديني والعرقي معا.

وبناء على ذلك قررت أن أقضي إجازة قصيرة في مدينتين من المدن التي تعتبر قواعد جماهيرية لدونالد ترمب وحزبه الجمهوري الذي يمثل اليمين الأمريكي المتشدد والمحافظ لأرى كيف سيُعامل شخص عربي أسمر ومسلم مثلي؟!
واخترت مدينتي وايز بولاية فرجينيا والتي صوت ناخبوها لترمب بنسبة 79.7% ومدينة أبيلين بولاية كنساس التي صوت ناخبوها لترمب بنسبة 73.4%.

وصلت وايز في 23 أغسطس/آب ومكثت يومين كاملين وفي 26 أغسطس وصلت أبيلين ومكثت يومين كاملين أيضا. في المدينتين، تجولت في الشوارع وجلست في المقاهي وذهبت إلى المزارع واسطبلات الخيل وتعمدت تغيير زيت سيارتي في المدينتين لاحتك بطبقة العمال البيض المعروف عنهم صراحتهم في البوح بمكنوناتهم، ولكن لم يصادفني في أي من المدينتين أي تصرف ينم عن عنصرية أو كراهية، فعدت إلى واشنطن خالي الوفاض.

توجهت مباشرة لزميلة أمريكية اثق في صدقها وخبرتها الطويلة في الحياة على الصعيدين الشخصي والمهني، وقلت لها: أنا أعلم علم اليقين أن هناك مشاعر عنصرية في شريحة لا باس بها من البيض، وأخبرتها عن سفرتي وما حدث وسألتها لماذا لا نرى العنصرية التي يتحدثون عنها وتقفز أمامنا في جميع مواقع التواصل الاجتماعي؟ قالت لي إن العنصرية في أمريكا تحكمها أشياء كثيرة أهمها الطبقة الاجتماعية والحالة الوظيفية.
لقد “ذهبت أنت إلى مدينتين من قواعد ترمب ورغم أنك أسمر البشرة وأسود الشعر ، ولكنك تقود سيارة وسكنت في فندق راق وارتدت المطاعم النظيفة وتلبس ثيابا تدل على حالة اجتماعية معينة، وهذه كلها تلغي بشكل أتوماتيكي الانطباعات المسبقة وتعمل على اللاشعور عند المقابل بأن يعاملك بشكل حسن”.

وأكملت “علاوة على ذلك، إن قسما كبيرا من الشعب الأمريكي قد جُبل على أن يظهر غير ما يبطن خاصة في مجال العمل، فحتى لو كنت قد قابلت شخصا شعر بالحنق تجاهك فلن يبوح بذلك إلا عندما يعود لبيته ويغلق عليه بابه لاعتبارات كثيرة أهمها: الشق القانوني وحقيقة أن الفرد الأميريكي لا يحب مقاتلة طواحين الهواء منفردا مثل دون كيشوت، ولكنه يظهر معتقداته بسهولة وسط جمع من أقرانه”.

ذكرني هذا الكلام بأبحاث صدرت في الخمس عشرة سنة الأخيرة والتي أكدت أن في معظم الأحيان الطبقة الاجتماعية هي العامل الحاسم في العلاقات بين الأمريكيين وليس اللون، وبالعودة إلى أرشيفي حول هذا الموضوع وجدت تقريرا للباحث شون ريردون من جامعة ستانفورد الأمريكية يدرس فيه الإنجازات المدرسية للطلاب، وكيف أنها مؤشر على أن الحالة الاجتماعية والاقتصادية تتفوق على اللون والعرق في هذا المجال.

يقول ريردون إن  الفجوة العرقية (عدد الطلاب البيض الذين ينهون دراسات ما بعد الثانوية) في عام 1970 تفوقت على الفجوة الطبقية بمقدار مرة ونصف، ولكن اليوم ارتفعت الفجوة الطبقية بنسبة 30 إلى 40% أي أن عدد الطلاب الذين أنهوا دراسات ما بعد الثانوية نتيجة انتماءهم لطبقة اجتماعية معينة وليس اللون ارتفع بنسبة 30 إلى 40%، بينما الطلبة الذين ينحدرون من طبقات فقيرة بيضاء وغير بيضاء انخفضت معدلات إكمالهم دراسات ما بعد الثانوية.

ولكن كل ما تقدم لا يلغي في الحقيقة مخاوف دفينة عندنا نحن العرب والمسلمين في الغرب، فالحقيقة التي نعرفها جيدا أن هناك في زاوية ما مرجل يغلي بأفكار ملتوية ومخيفة ولا أحد يعلم متى سينفجر ليغرق كل شيء، ورغم أن كل الظواهر تشير أن العنصرية بشكلها الخام العنيف غير موجودة إلا بين فئة لا تكاد تذكر بين غير المسلمين، إلا أن شخصا واحدا يمكن أن يودي بالعشرات نحو التهلكة.

في عطلة نهاية الأسبوع الماضية، عزف الكثير من المسلمين في الغرب عن أداء صلاة الجمعة في المساجد، ومن جهة أخرى ذهب مسلمون آخرون للمساجد لأول مرة في إشارة تحد للأفكار التي مثلها المجرمون المتورطون في مذبحة مساجد نيوزيلندا، وشاهدنا مشاعر مختلطة لدى مسلمي الغرب وكيف أن أربع اشخاص كانوا كفاية لفتح أبواب جهنم على عشرات العوائل المسلمة.

أكاد أجزم أن كثيرا من مسلمي الغرب يتمنون لو أن العيش في بلاد الإسلام كان أكثر استقرارا وكرامة الفرد مصانة بشكل أكبر ومستقبله ومستقبل عياله مضمون بشكل منظم.

 

الرابط الأصلي للمادة: 

https://bit.ly/303gomR